ابراهيم بن عمر البقاعي

69

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين ، واتباعه ما يوحي إليه ، تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة ، وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه « وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ » ولما تحصل من السورتين قبل ما تعقب العالم من الخوف أشد لغيبة العلم بالخواتم وما جرى في السورتين من الإشارة إلى السوابق وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] كان ذلك مظنة لتأنيس نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصالحي أتباعه ، ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة المضمنة من التأنيس والبشارة ما يجري على المعهود من لطفه تعالى وسعة رحمته ، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالتقوى ، وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله ، وإيضاح دليله ، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كان عليه السّلام قد نزه اللّه قدره عن أن يكون منه خلاف التقوى ، وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعلي منصبه ، ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح من محمود صفاتهم ، ومنه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [ الفتح : 29 ] - الآيات ، فذكره صلّى اللّه عليه وسلّم باسم الرسالة ، ومهما كان الأمر والنهي ، عدل في الغالب إلى الأعم ، ومنه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ [ الأنفال : 65 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطلاق : 1 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [ التحريم : 1 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [ التوبة : 73 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ [ الممتحنة : 12 ] وقد تبين في غير هذا ، وأن ما ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] فوجه هذا أن قوله سبحانه وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ موقعه شديد ، فعودل بذكره صلّى اللّه عليه وسلّم باسم الرسالة لضرب من التلطف ، فهو من باب عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] وفيه بعض غموض ، وأيضا فإنه لما قيل له « بلغ » طابق هذا ذكره بالرسالة ، فإن المبلغ رسول ، والرسول مبلغ ، ولا يلزم النبي أن يبلغ إلا أن يرسل ، وأما قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ المائدة : 41 ] فأمره وإن كان نهيا أوضح من الأول ، لأنه تسلية له عليه السّلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه ، فبابه راجع إلى ما يرد مدحا مجردا عن الطلب ، وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا . ولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه عليه السّلام من هذا الأمر بعلي حاله ومزية قدره ، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أمهات للمؤمنين فنزهن عن أن يكون